نصر الله باللسان، هو السلاح الذي تحمله كل يوم. تخيّل أنك تحمل كل يومٍ سلاحاً قوياً، تستخدمه عشرات المرات، في كل مكانٍ تذهب إليه، مع كل شخصٍ تلتقيه. هذا السلاح يمكن أن يبني أو يهدم، أن يُقرّب من الله أو يُبعّد عنه، أن ينصر الحق أو يُميت صوته. هذا السلاح هو لسانك.
الغريب أن كثيراً من المؤمنين حين يفكّرون في نصر الله يتجهون بأذهانهم فوراً إلى أشياء بعيدة: معركة، أو منبر، أو مؤتمر كبير. ويغفلون عن الميدان الأقرب والأكثر تأثيراً في حياتهم: ميدان الكلمة اليومية. مجلسك مع زملاء العمل، وحديثك مع أصدقائك، وتعليقك على منصات التواصل، ونقاشك مع أبنائك على مائدة الطعام، وردّك حين يُساء للدين أمامك، كل هذه لحظاتٌ حيّة تُمثّل فرصاً متجددة لنصرة الله أو لخذلانه.
اللسان في الميزان: بين النصرة والخذلان
قبل أن نتحدث عن كيفية نصر الله باللسان، من المهم أن نفهم لماذا اللسان تحديداً هو ميدانٌ للنصرة وليس مجرد أداة تواصل عادية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.” لاحظ أن اللسان جاء في المرتبة الثانية مباشرةً بعد اليد، أي أنه البديل الأكثر توافراً لأغلب الناس في أغلب المواقف. معنى ذلك أن الشخص الذي لا يملك سلطةً أو منصباً أو قدرةً على التغيير المادي، يملك في لسانه بديلاً حقيقياً لا وهمياً.
لكن اللسان ذو حدّين. فكما أنه ميدانٌ للنصرة، فهو أيضاً ميدانٌ للخذلان. والخذلان باللسان لا يعني فقط أن تتكلم ضد الحق، بل يعني أحياناً أن تصمت حين يُنتهك الحق أمامك. الصمت في مواطن الحق ليس حياداً، لأن الحياد في مواجهة الباطل هو انحيازٌ للباطل بصورةٍ أخرى. وقد عبّر عن هذا المعنى أحد العلماء بقوله: “الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس”، أي أنه يؤدي دور إسكات الحق دون أن يحتاج إلى الكلام.
“انظر أيضا: مجالات نصر الله“
المجال الأول: الكلمة في مواجهة الانتهاك
من أوضح صور نصر الله باللسان أن تتكلم حين يُنتهك الحق أمامك مباشرةً. وهذا المجال لا يحتاج إلى أن تكون عالماً أو داعيةً، بل يحتاج فقط إلى شجاعةٍ لحظية بسيطة.
تخيّل هذا المشهد الواقعي: أنت في مجلس عمل، وأحد الزملاء يسخر من حكمٍ شرعي أو يستهزئ بشعيرةٍ دينية، والكل يضحك أو يصمت. في هذه اللحظة بالذات أنت أمام اختبار. الكثيرون يختارون الصمت تحت غطاء “أنا لا أُحبّ الجدال” أو “الوقت ليس مناسباً” أو “لن يفيد الكلام شيئاً.” لكن هذه المبررات في أغلبها ليست حكمةً بل هي خوف.
نصر الله في هذه اللحظة لا يعني أن تنفجر وتلقي خطبةً غاضبة، بل يعني أن تقول بهدوءٍ واثق: “أنا لا أرى هذا الأمر بهذه الطريقة، وأحترم هذا الحكم وأرى فيه حكمة.” كلمةٌ واحدة بهذا الوزن تفعل شيئين في آنٍ واحد: تُعلن موقفك للحاضرين، وتحفظ كرامة الدين في ذلك المجلس. وربما كان في ذلك المجلس شخصٌ يتردد في موقفه، فتكون كلمتك هي الترجيح الذي يحتاجه.
المجال الثاني: الكلمة التي تُقرّب لا الكلمة التي تُنفّر
ثمة فهمٌ خاطئ شائع يخلط بين نصر الله باللسان وبين الخشونة في الأسلوب. وهذا الفهم ضرّ الدعوة أكثر مما نفعها. فكثيرٌ من الناس حين يريدون الدفاع عن الدين أو التعبير عن موقفهم الديني، يلجؤون إلى لهجةٍ فيها حدّةٌ وعلوٌّ وتكبّر على المخاطَب، وكأن النصرة تعني الانتصار في نقاشٍ وإسكات الخصم. وهذا ليس نصرةً للدين، بل هو أحياناً صرفٌ عنه.
القرآن الكريم وصف أسلوب الدعوة بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الملاحظ أن الحسن والجمال في الأسلوب ليس مجرد تكتيك، بل هو شرطٌ في الآية. وهذا يعني أن الكلمة القبيحة في خدمة الحق تُضعف الحق لا تخدمه.
المثال الواقعي هنا هو حوارك مع شخصٍ بعيد عن الدين، سواء كان صديقاً أو قريباً أو زميلاً. حين تتحدث معه عن الصلاة أو الالتزام، هل تُقرّبه أم تُنفّره؟ هل تُشعره بأنه إنسانٌ محبوبٌ تريد له الخير، أم تُشعره بأنه مذنبٌ تريد إدانته؟ الفرق بين الأسلوبين هو الفرق بين من يُعين الله على إيصال رسالته وبين من يعيق هذه الرسالة بيده دون أن يشعر.
المجال الثالث: الكلمة اليومية في المجالس
المجالس اليومية هي المختبر الحقيقي لنصر الله باللسان، لأنها تحدث في الخفاء بعيداً عن الأضواء والتقييم. حين تجلس مع أصدقائك وتنساب المحادثة بحريةٍ، فما الذي تُضيفه؟ هل تُضيف كلاماً يُذكّر بالله، أو يُعين على الخير، أو يُوضّح حقاً مُلتبساً؟ أم أنك تجري مع التيار حيث ذهب، ولو كان في غيبةٍ أو استهزاءٍ أو حديثٍ فارغ؟
من أدق صور نصر الله في المجالس أن تُحوّل المجلس حين ينحرف. ليس بأن تقوم بنفورٍ أو أن تُلقي محاضرةً، بل بكلمةٍ خفيفة تُغيّر مجرى الحديث. مثلاً حين يشتدّ الكلام في غيبة شخصٍ بعينه، أن تقول: “أظن أن له عذراً لم نعلمه.” هذه الجملة القصيرة هي نصرةٌ للدين في تلك اللحظة، لأنها تُحيي قيمةً إسلامية حقيقية في مكانٍ كانت تموت فيه.
المجال الرابع: الكلمة في الفضاء الرقمي
لا يمكن الحديث عن اللسان في عصرنا دون الحديث عن الكلمة الرقمية، لأن الكثير منا يقضي جزءاً كبيراً من يومه على منصات التواصل الاجتماعي. والكلمة التي تكتبها على الإنترنت أخطر في بعض الأوجه من الكلمة التي تقولها في مجلس خاص، لأنها تنتشر وتبقى وتُشاهَد من أناسٍ لا تعرفهم.
نصر الله في الفضاء الرقمي يتجلّى في أشياءٍ عملية: في التعليق الذي يُصحّح معلومةً خاطئة عن الإسلام بأسلوبٍ علمي هادئ، وفي المنشور الذي ينشر فكرةً إيمانيةً مؤثرة تصل إلى أناسٍ كانوا بحاجةٍ إليها، وفي الامتناع عن مشاركة محتوى يُسيء للدين حتى بغرض الردّ عليه، لأن المشاركة نفسها تنشره. لكن الأهم من هذا كله هو ما تُقرّره في نفسك قبل أن تكتب: هل هذه الكلمة التي أكتبها تنصر الله أم لا؟
المجال الخامس: الكلمة في التربية والبيت
أكثر ما يُغفل عنه الناس حين يفكرون في نصر الله باللسان هو ميدان البيت. والحال أن أثر الكلمة في البيت أعمق وأبقى من أثرها في أي مكانٍ آخر، لأنها تسقط في قلوبٍ صغيرة رطبة قابلةٍ للتشكّل.
حين تحكي لابنك قصةً من القرآن قبل النوم، وحين تُعلّمينَ ابنتكِ معنى الحجاب بطريقةٍ تجعلها تفخر به لا تنقم منه، وحين تُجيب على أسئلة أبنائك الدينية بصدقٍ وعمق بدلاً من الإحالة الدائمة إلى “الشيخ” أو “المدرسة”، فأنت تنصر الله في أقدس ميادينه وأكثرها أثراً في المستقبل.
خاتمة: الكلمة الطيبة صدقة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة.” وفي هذا الحديث القصير معنىً عميقٌ جداً: أن كلامك قادرٌ على أن يكون عبادةً وصدقةً، أي قادرٌ على أن يكون نصرةً لله في كل لحظة. ليس فقط حين تخطب في الناس أو تكتب مقالاً، بل حين تقول كلمةً تُعزّز بها إنساناً متعباً، أو تُصحّح بها فكرةً خاطئة، أو تدافع بها عن قيمةٍ مُهاجَمة، أو تصمت بها حين لا تنفع الكلمة.
الإنسان الذي يفهم هذا يعيش يومه بوعيٍ مختلف: لا يخرج من بيته إلا وهو يعلم أن لسانه ميدانٌ مفتوح لنصرة الله، وأن كل جملةٍ يقولها يمكن أن تُحسب له أو عليه. وهذا الوعي وحده، حين يستقرّ في القلب، يُحوّل حياةً عادية إلى حياةٍ مليئة بالمعنى والأثر.